آلدار خليل: لنختلف في المنظور ولنتحد في الرؤية والموقف

برهن الكرد على دورهم الرائد والهام في ساحة الشرق الأوسط ضد النظم المستبدة، طوال قرن من الكفاح المتواصل كدعاة للسلم والعيش المشترك إلى جانب الشعوب الأخرى معتبرين ذلك نهجاً وضرورة إنسانية وتاريخية ملازمة لوجودهم ولهويتهم، وهذا ما أثار حفيظة القوى والسلطات المركزية على الدوام، والتي لم تكن تقبل بأي حال ظهور محاولات كهذه، لأنها رأت فيها مقدمات لتأسيس التواصل المتكافئ بين شعوب المنطقة، وخطوة نحو تكريس الأواصر التاريخية الحقيقية، التي من شأنها فضح تلك التلفيقات والتشويهات، التي اقترفتها أيدي تلك النظم بحق شعوب المنطقة.

ما يعنينا راهناً، هو تجاوز حالة الانقسام والتشرذم تلك، التي تسود السياسة الكردية اليوم، وغياب القرار الموحد، وهو الذي بات الآن ضرورة قومية وإنسانية. ومعلوم أن نداءات متكررة ودعوات متواصلة برزت من جانب القوى الوطنية الكردستانية، تطالب بضرورة عقد مؤتمر وطني شامل، يتم عبره، وبه، تجاوز الرؤى والخلافات البينية السائدة، التي تستوجب التصحيح، وهذه الدعوات غالباً لم تكن مشروطة بأي شروط مسبقة، فقد كانت مجرد دعوات للتلاقي والحوار والتشاور بداية، إلا أن ما يثير الاستغراب والحيرة أن تقبل بعض القوى الكردستانية الحوار والتشاور مع أحد أشدّ الأنظمة المركزية العنصرية تطرفاً، والتي تنكر الوجود الكردي وقضيته، وترفض الجلوس والحوار مع أخوانهم الكرد، علماً أنَّ الأول، كما بات معلوماً، في كلّ مرة يضع شروطاً جديدة بقصد الابتزاز وانتزاع المزيد من التنازلات السياسية لمصلحته من الطرف الكردي الآخر. ومع هذا يقبل بها الأخير بالرغم من درايته ويقينه أنه ليس للكرد أي مصلحة قومية في الجلوس أو الحوار مع هذه القوى الغاصبة للمصير الكردي، وأن هذا المسعى لا يعدو كونه سوى استمرار لتكريس حالة الانقسام الكردي وخلق التناحر البيني وتعزيز الشرخ في الموقف القومي، وفي أحسن حال يعدّ مضيعة للجهود الوطنية الكردية في تبني الرؤية الكردية الوطنية الموحدة، كما أنَّه يشرع الأبواب أمام القوى المعادية مستفيداً من هذا الوضع، وبالتالي استثماره بغاية الحؤول دون ولادة القرار الوطني الكردي المستقل.

في روج آفا تحول الكرد، بفضل التضحيات الجسام والمقاومة البطولية إلى أحد أهم الاستجابات العملية المواكبة لواقع التغيير ومنطقه الموضوعي في المنطقة، كما أنهم باتوا أحد أهم روافعه التاريخية، مثلما باتت مقاربتهم السياسية التي قوامها التوافق مع الشركاء العرب والسريان والآشوريين والكلدان والأرمن والشركس والتركمان على مشروع للتغيير مغاير للنمط التقليدي السائد في الشرق الأوسط، وهذا ما جعلهم في صلب الواقع المتقدم نحو تجاوز النمطية واللون الواحد السائد في المنطقة، وقدموا بهذا التوجه خدمة للوجود الكردي أكثر من الصراخ القومي المجرد له، هم بذلك حققوا التغيير في الواقع، دون صخب شعاراتي، وهذه منجزات تاريخية تستحق الاهتمام والنظر إليها على أنها في المآل التاريخي تخدم الأهداف الاستراتيجية للقضية الكردية، وتكرّس الدور المركزي للشعب الكردي، كصانع لمصيره دون أن يستبد الآخرون بمستقبله أو يحتكروه.

أمام هذه الإنجازات التاريخية والمعطيات الناشئة التي فرضها تطور القضية الكردية في روج آفا، تبرز الحاجة الموضوعية إلى موقف كردي وطني موحّد، قوامه الحوار النِّدّي والنقاش وتبادل الآراء، انطلاقاً من المصالح القومية الاستراتيجية والعمل بإخلاص في سبيل كل ما من شأنه خدمة الكرد دون الاكتراث بما تمليه إرادة القوى المعادية للوجود أو المستقبل الكردي، ودون الخضوع لخطوطها الحمراء التي تحاول من خلالها عرقلة هذه المساعي ووضع العقبات أمام كل مشروع قومي مشترك أو رغبة في استرداد القرار القومي المستقل، ولأن المؤتمر الوطني، المؤجل حتى هذه اللحظة، هو العنوان الأبرز والأسمى، الذي يختزل في نفسه كلّ تلك التطلعات القومية المشروعة، نجد أهمية وضرورة في السعي عبر اتخاذ خيار آخر لتحقيقه، يتمثّل في الشروع بداية بعقد مؤتمرات (جزئية) في كل جزء من أجزاء كردستان للنقاش والحوار، وخلق فضاء قومي مشترك للحوار والتواصل بهدف الخروج بموقف ورؤية قومية واحدة وشاملة تؤسس لشرعية المؤتمر الوطني الشامل وخطابه المشترك.

ومن هنا تبرز الضرورة والحاجة إلى عقد مؤتمر قومي لعموم الأحزاب الكردية في روج آفا بداية، دون استثناء أو إقصاء لأحد، وبشرط وحيد هو استقلال قرارها السياسي عن الأجندة السياسية الإقليمية وعن أجندة حلفائها في سوريا وامتداداتها، يتم خلاله التأسيس لمنصة مستقلة للقرار القومي الكردي في روج آفا في ضوء وثيقة مبادئ قومية استراتيجية يخضع لها الجميع ويلتزم بها، وفي المحصلة يؤسس المؤتمر لرؤية موحدة ولموقف قومي مشترك دون أية شروط مسبقة. وبعبارات أخرى، الدعوة إلى اجتماع كل الأحزاب السياسية والفعاليات والقوى المجتمعية، من منطلق الوعي التاريخي بالمسؤولية والحرص على المصالح التاريخية لشعبنا في روج آفا، وبغية ترجمة تضحياته العظيمة لدور تاريخي رائد يليق بتلك التضحيات ويجعل الكرد في طليعة القوى، التي تقود سفينة التغيير في البلاد والمنطقة عموماً وصولاً إلى برّ السلام والأمان. هذا الموقف هو إنساني وأخلاقي في جوهره، ناهيكم عن طبيعته الوطنية، يُعبِّر عن مدى أصالة الكرد وحقيقة دورهم التاريخي ويعكس حقيقة موقفهم بمقاومة الطغيان وسعيهم لأجل إحقاق العدالة والمساواة بين الشعوب.

من أجل مستقبل عادل لـ روج آفا، من أجل كرامة شعبنا ووفاءً لتضحيات أبنائه وبناته، ومن أجل أن نكون جديرين بتمثيل تلك التضحيات والتعبير عنها، ينبغي أن نرقى بسلوكنا السياسي ونرتقي فوق جميع الخلافات وصولاً لتحقيق الطموحات التاريخية والمشروعة لشعبنا، المتمثلة في أن يكون الكرد صُنَّاع تاريخهم ومصيرهم، وأن تكون للهوية الكردية مكانة تليق بها تحت سماء هذا العالم إلى جانب الأمم الحرة الأخرى، دعونا نتحاور ونتناقش بصوت عالٍ، فلن نخسر شيئاً من جرَّاء الحوار، وَلْيَكُنْ شعبُنا رقيباً وحكماً على كلّ ذلك، فلا سبيل أمامنا إلا وحدتنا، وقناعتنا ألا أحد قادر على أن يخدم الكرد وقضيتهم بمفرده، وليس بمستطاع أحد أن يحقق لهم أهدافهم في الحرية والسلام وأن يؤسس لمشروع ديمقراطي حقيقي، بمفرده، فالخلاص من حالة التعثر والانقسام والتبعية يمضي عبر وحدتنا وموقفنا الثابت والمشترك إزاء مصيرنا، وفي مواجهة كل الجهود التي تريد النيل من الكرد ووجودهم لنلتقي ونتحاور ونتشاور، لنختلف في المنظور ولكن لنتحد في الرؤية والموقف. فالوحدة سبيلنا إلى النصر العظيم.
“روناهي”

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.