د. محمود عباس: بؤس تهافت الحركة الكردستانية

بعيدا عن منطق النقد السلبي، أو التهجم العشوائي، بل من باب إبداء الرأي، نود أن نلفت أنتباه قيادة الإدارة الذاتية، ومسؤولي ال ب ي د والإقليم الفيدرالي في جنوب غربي كردستان، أو القائمين على تطبيقه (لا نود التعرض لسياسة إقليم جنوب كردستان هنا فهي في مقام دولة ذات اعتراف دولي ولها نقادها) أننا نرى أن الأعمال الأمنية الجارية، ومثلها الصراع بالوكالة على المستوى الكردستاني، لم ولن يؤدي إلى إيصال أي طرف إلى الغاية أو الهدف المأمول، وعلينا ألا نحلم، بكيان كردي، أو منطقة بنظام أممي، أو ما شابه، ونحن على هذه السوية من التعامل، حيث التآكل الداخلي، وكراهية البعض، وننسى الأعداء. وليعلم الجميع، وأقصد كل القوى المشاركة في تصعيد الخلافات، وتعميق التلاسن والتخوين، وخاصة المهيمنة منها، والتي تمتهن سيادتها بأساليب شاذة، وعلى الأغلب يدركها من يملك رؤية صائبة، أن خسارة المعارضة هي ذاتها انهيار قادم للطرف الآخر، ومثال سوريا ساطعة أمامنا، بل تاريخنا الكردي يذخر به.
نستبعد حدوث حوار جدي بين مسؤولي الإدارة الذاتية، قبل القيام بالاعتقالات العشوائية، وإغلاق مكاتب الأحزاب والمنظمات الثقافية المعارضة، والتعرض لبيوت شخصيات من الحركة الثقافية، والحكم على بعض الصحفيين سنة من السجن، ومنهم لا يزالون في العشرينات من عمرهم، ولا خلاف على وطنيتهم، أو الاعتداء على كل من لا يتماشى ونهجهم السياسي في المنطقة. ولا نظن بأنه تم دراسة النتائج المتوقعة قبل إصدارهم لقرار ترخيص الأحزاب.
نناشد مسؤولي ال ب ي د والقيادة الواعية والتي بيدها أمور المنطقة، أن يحتكموا إلى منطق العقل، والبعد الوطني لا الحزبي، وتدارك الأمور قبل أن تستفحل. لأن منطق الاحتمالات تتماهى ويزداد التشكيك بإقدام رؤساء الإدارة الذاتية على دراسة مستقبل المنطقة بشكل عام، وإن تم فهي على الأغلب لم تتجاوز جلسة بسيطة بين شخصيات لا يملكون رؤية متوازنة على الأبعاد الاستراتيجية للدول الإقليمية، وإن جرت فهي على الأغلب كانت أحادية الجانب، وهو ما تعكسه مجريات الأحداث، من حيث التعتيم على الرؤية الصائبة وما ستنحدر إليه مصير المنطقة بشكل عام والكردية بشكل خاص، وبالتالي القوة المفروضة أو الفارضة ذاتها، تقف أمام محاكمة ذاتية في مواجهة التاريخ.
على كل الأطراف أن تدرك، بأنه لا يمكن لأية قوة أن تفتخر بصعودها أو غيابها عن الساحة، على عامل إدراكها ورؤيتها الصائبة للأحداث، وعليها أن تعلم أن عامل مصالح الدول الإقليمية والكبرى هي التي تعزل وتقيم، تميت وتحيي الأموات، وإن كانت في بعضه نوع من الذكاء أو الفطنة، كاستغلال الفرص لاحتلال خشبة المسرح، والعمل على دمج مصالحهم مع مصالح الدول الإقليمية أو الكبرى، وتتبع الاستراتيجية المتوقعة نجاحها، لكن يبقى منطق نجاح الانتهازية قصيرة المدى، خاصة إذا لم يكن مسنودا ومبنياً على ركيزة متينة.
يعلم الجميع أن ما تقوم به، قوات أمن المنطقة الكردية، جنوب غربي كردستان، والمنظمات الشكلية التابعة لهم، أو التي تتم تشكيلها حسب مجريات اللحظة، وبأسماء متنوعة، من إجراءات تعسفية بحق المعارضين لنهجهم في الحكم، وإدارة المنطقة، تجري على خلفية صراعات الأطراف الكردستانية المنجرة وراء استراتيجيات القوى الإقليمية، أو وبدون تردد، يمكن القول إن معظم الأطراف أدوات للسلطات الإقليمية. والاعتداءات بكل أنواعها، والتي أقل ما يمكن القول فيها بأنها فظة ومنافية للقوانين الإنسانية، وبعيدة عن الديمقراطية حتى في زمن الحرب، بل ويطغى عليها شبح الديكتاتورية.
والخوف هنا ليس فيما يجري الأن، أو ما ستتمخض عنه من اغتيالات، لا سمح الله، أو قتال كردي كردي إن لم تتوقف، بل ما سينتج عنه مستقبلا من مواقف للدول الكبرى، والمهيمنة على مصير المنطقة، وعلى الأغلب، ستتوقف دعمها مستقبلا، خاصة بعد الانتهاء من صراعنا مع داعش، وبشكل خاص أمريكا، والتي ترى دقائق الأمور في منطقتنا، وعلى الأرجح هي والدول التي تتحفظ اليوم، ولأسباب ذاتية، من إلقاء اللوم على سياسة سلطة الأمر الواقع الداخلية، وعلاقاتهم الإقليمية، ستضع نهجهم ضمن مقاييس مفاهيمهم الديمقراطية ورؤيتهم للعالم الحر، وعليه لا يمكن التوقع بأنهم سيتناسون مجريات الأحداث، أو بالأحرى ما ستؤول إليه الواقع السياسي العسكري للمنطقة الكردية، حيث السيادة المطلقة، والحزب الواحد، والمفاهيم الطوباوية، والنظام الأممي، والتي لسنا هنا بصدد دراستها أو نقدها، لكن ما نأمل فيه، أن لا تتعارض مفاهيمها وأعمالها، وطريقة تسييرها لسلطة الإدارة الذاتية أو الفيدرالية القادمة مع المفاهيم الديمقراطية، والنظام الحضاري الطامح إليه شعبنا الكردي.
وللعلم فإن تغطية حقيقة نوعية النظام المتوقع إقامته، لا يمكن أن تخفى بإدراج بعض الأحزاب الثانوية أو منظمات خلقت للضرورة في إدارة المنطقة، وهي معروفة لأبسط المحللين السياسيين فما بالنا بالاستراتيجيين الذين يديرون دفة العلاقات الدولية، وإذا كنا سنظن بأن هذه الدول الكبرى كانت في الماضي تدعم السلطات الفردية أو الدكتاتوريات لمصالحها، فهي وبلا شك كانت استراتيجية متبعة في زمن الحرب الباردة أو أثناء تعرض المصالح الاقتصادية إلى زعزعة، لكن القوى الدولية الكبرى الأن تنتهج استراتيجيات مغايرة كليا للماضي، وتجاري التطورات الاقتصادية الحديثة، والفكرية الجديدة للبشرية، وحيث عصر النت، والإعلام اللامحدود والتي لم يعد لها رقابة وحدود.
ما نود أن نقوله، للإخوة في الإدارة الذاتية، وهي قادمة على تكوين كيان كردستاني، أو كما تقول كيان أممي في المنطقة الكردية، وتتناسى أن الأممية بحد ذاتها تنفي أساليب الترهيب، والطرق الملتوية في إلغاء الأخر، وخلق مجموعات تحت مسميات متنوعة لضرب القوى المعارضة، وهي تدرك بأنه في إزالة هذه الشريحة أو ذاك، ومنع النقد والنقد الحاد، سيكون من السهل السقوط في هوة الضياع، أو على الأقل في مستنقع الدكتاتورية الحزبية، وبالتالي بناء كيان غارق في السلبيات، والتي يكون فيه الشعب آخر من سيستفيد.
وبما إننا قادمون على إقامة الكيان الكردي السياسي أو الجغرافي أو الديمغرافي، فلا بد لقادة المسيرة أن يكونوا أرحب صدرا، وأوسع مداركاً لحاضر ومستقبل المنطقة، سياسيا، أو لنقل حزبياً، ولا يعني هذا باننا نبرأ الأحزاب الكردية المعارضة، فأخطاؤها وهم بهذا الضعف تكتم الأنفاس، وعليهم مثلما على سلطة الأمر الواقع إعادة النظر في كل ماضيها وحاضرها، وعلاقاتها، وما تطمح إليه، وهل هي تخطط لتقاسم السلطة ومنافع حزبية، أم للمصالح الوطنية، وهذا ما لنا شكوك فيه والأسباب متنوعة. كما ولا نظن بأن قيادات ال ب ي د تمعنت في تاريخ العديد من المسؤولين الذين قادوا موجات تصعيد الصراع على خلفية التبعية لاستراتيجية معينة، أو التخطيط لتكتيك ما، فالموجة الأمنية المتصاعدة، والمشابهة لمسيرة الأحزاب الطاغية، القومية أو الأممية، ترجح احتمالية أن الأعمال التي يقومون بها، كرد فعل على ما حصل في منطقة شنكال، لن تؤدي إلى نجاح أي طرف، وإن كانت الانتصارات الأنية المحلية تعمي بصيرة العديد منا، ونتناسى أننا لا زلنا كحركة تحرر وطنية دون سوية مواجهة أضعف قوة إقليمية، مثل قوة سلطة بشار الأسد، ونبتعد عن الواقعية في تقييماتنا الذاتية والموضوعية، والتي ستؤدي بنا إلى كارثة سياسية ديمغرافية قد تسقطنا في غياهب الإهمال على مدى عقود قادمة إن لم يكن قرن آخر.
لا يهمنا الأسباب المؤدية إلى ما آلت إليه الظروف لتوصل بمنظمات الإدارة الذاتية للقيام بتجاوزاتها القومية والوطنية، ولا من المذنب، وفي كل القيم فالقوي هو المتهم إلى أن يثبت العكس، وفي داخل جنوب غربي كردستان، لا صوت فوق ال ب ي د والأسايش، فحرق المكاتب، واقتحام بيوت الكتاب، والاعتقالات السياسية، والمسيرات الغوغائية، والتي لا تؤدي سوى إلى تأجيج نار الاقتتال، تضع قيادة الحزب الحاكم أمام مسؤولية مصيرية، ومسائلة تاريخية، ولا يهم إن كان الأخر الضعيف مخطئاً، الأهم أن تكون الإدارة السياسية الحاكمة مسؤولة وتعمل على ترسيخ البنية الديمقراطية التي يجب أن تكون عليها كردستان القادمة، فبالدكتاتورية لن تتأهل الأوطان وإن ظهرت فستكون غارقة في الأوبئة.
ليتنا نسأل ذاتنا، قبل الأخرين، نخدم من، نحن المتهافتون على تصعيد نار الاقتتال الكردي الكردي؟ وكل فرد منا يحمل في جعبته صفحات من الانتقادات، القيمة، والعشوائية، ونلقيها أمام المجتمع على عوانها، معظمها لإرضاء نزعة حب الظهور، والتي تغطي على غيرها من النزعات النفسية، وأطراف جل طموحاتها جلب رأي العامة على ضجة إعلامية آنية، حتى ولو أدت إلى تحريك نار الصراع في شارعنا. وهنا تتناسى الأحزاب المتلاعبة بها من قبل القوى الإقليمية أن هذه الشريحة الثقافية والسياسية من المريدين، يحتاجون إلى توعية، وتنوير الدروب، وإلقاء الأضواء على ما يفعله الأعداء وما فعلوه بنا وبتاريخنا. كم من الشريحتين تمعنت ودرست أعمالها، وقيمتها فيما إذا كانت تندرج في خدمة الأمة أم للقضاء على الطرف الحزبي الأخر، وهل تقزيم الأخر سيرفع من مكانتنا؟
علينا أن ندرك، إن القوى الكردية التي نظن بأن معظمها لا تزال ترضخ تحت هيمنة القوى الإقليمية، وهؤلاء يوكلون لها وبمؤامرات خبيثة دور تدمير القضية القومية أو الوطنية الكردستانية، أو تمرير أجنداتها، وتطبق إملاءاتها، ولا يمكن أن تزول هذه الهيمنة، وبالتالي لا نتوقع رحمة من السلطات أو القوى الإقليمية التي تتحكم بالكثير من أمور المنطقة الكردستانية. لا نخطأ عندما نتهم بعضنا، فالكل على جزء من الحقيقة والصحة، والتبريرات تخرج على مقاس بعد نظرنا، كما وأن القوى الإقليمية لن تسمح بالقضاء على أي طرف حزبي كردي، وحتى لو هزمت من على الساحة الكردستانية بشكل آني، فالسلطات والأنظمة المعادية للقضية الكردستانية، والمتحكمة بالحركة، تستطيع أن تخلق مثلها ثانية وثالثة، من داخل المجتمع الكردي، خاصة ونحن بطرق خلافاتنا هذه، وتعاملنا بهذه الأساليب البدائية، والساذجة، نمهد لهم التربة المناسبة.
وعليه فمهمة الأطراف الواعية، من الأقلام النيرة، والسياسيين، ليست توسيع الجبهات المتقاتلة، ومهاجمة الآخر، وتشحين ساحات التلاسن والتخوين، وتعريته كأسلوب للقضاء على الطرف الكردي المتهم، فلنعلم أننا جميعا عراة وبهذه الطرق التي نخون فيها بعضنا أمام الأعداء، وضعفاء إلى حد اليأس، وسنضعف أكثر، وسنخسر كل ما حصلنا عليه من مآثر، داخليا وخارجياً، وعلينا أن نعرف أن أعدائنا أقوى مما نظن.
لربما البعض سيرى دعوتي هذه طوباوية، ولربما ساذجة، فكل دعوات السلام تطغى عليها مسحة البساطة والسطحية والسذاجة، مع ذلك فهو واجب وطني، وللتاريخ أدعو الأطراف الكردية، وخاصة الحركة الثقافية الواعية، أنه من مهامنا توعية الطرف المتهم، ومحاولة الوصول معه إلى حالة اتفاق، ونقده بالأساليب التي نتوقع منها أن يهتدي الطرف المعتدي إلى الطرق السليمة في التعامل مع الكردي الآخر، أو التخلي عن نهجه المضر بالقضية الكردستانية، وهنا قوى الإدارة الذاتية أكثرهم مطالبة بنقد الذات وإعادة حساباتها، ودراسة أفعالها. علينا أن نتجاوز التعامل بالبدائيات، ونبحث عن طرق حضارية للتعامل مع الأطراف المذنبة، بحيث يتحير العدو، وعلينا أن ننمي تراكمنا المعرفي لنملك الفكر الواعي الذي نستطيع فيه معرفة خطط الأعداء، وكيفية الالتفاف عليه، وأن نخرج من سذاجتنا التي استغلها الأعداء دائماً، أو التي أدخلونا فيها وتحكموا عن طريقها بمصيرنا وعلى مدى العقود الماضية.
لا شك أن معظمنا يدرك أن مهمة القوى الإقليمية المعادية للكرد، في هذه المؤامرة، تنحصر في أن يحدد كل قلم أو كاتب أو سياسي كردي، موقفه الصارم من أحد الأطراف الكردستانية المتصارعة، ويشارك في توسيع الخلافات، ولربما إيصالها إلى حدود الاقتتال الكردي الكردي. والأحزاب الكردية والكردستانية هي الأسهل سقوطا في هذا الفخ، وإثباتا عليه، لا حظنا ومن خلال تتبعنا لحوارات الأطراف الكردية السورية الدبلوماسية في الخارج ومع الدول الكبرى، أمريكا وروسيا وبعض الدول الأوروبية، أن جل القضايا التي أثاروها في جلساتهم، كانت سطحية إلى حد الخجل، ولم تتجاوز المطالب الحزبية، ونادرا ما تطرقوا إلى إقناعهم بدعم الفيدرالية على سوية الشعب الكردي في سوريا، فكل طرف عرض نهجه وأعمال من الحيز الحزبي لا الوطني، وتذللوا لدعم أحزابهم على حساب قضية الشعب، والأطراف الكردية الأخرى، وجميع الموظفين الأمريكيين والروس الذين استمعوا إليهم، خرجوا بقناعات أن الحركة الكردية السورية لا تزال دون سوية تشكيل كيان كردي ديمقراطي على سوية شعب، ويحق له اختيار مصيره، وإن حدث كما نأمل، فهي ستكون على خلفية مصالح تلك الدول وليست على خلفية الدبلوماسية الكردية الهزيلة. ولا نخال أن ما يجري الأن في ساحات مدن جنوب غربي كردستان من المسيرات، والاعتقالات وحرق المكاتب ومهاجمة بيوت المثقفين، يخلق رد فعل عكسي كارثي عند الدول الكبرى، نحو جميع أطراف الحركة الكردية والكردستانية، إن لم يكن الأن فالمستقبل ستبين عن مدى الدمار الذي خلقه الأعداء عن طريق أحزابنا الساذجة، أخوتي ألم يحن لحظة اليقظة، وإدراك مجريات التاريخ؟

د. محمود عباس
الولايات المتحدة ألأمريكية

كن أول المعلقين

اترك رداً

سجل الاسم وعلق .